حسن الأمين

325

مستدركات أعيان الشيعة

وهذا نصه : أساس 219 قرار 234 المدعي الحق العام المدعى عليه علي يوسف الحايك - عدشيت باسم الشعب اللبناني في المحاكمة العلنية تبين أن ما نسب إلى المدعى عليه علي يوسف الحايك من عدشيت هو أنه كان يحرث الأرض على رأس بقر وحمار ، وأن في هذا عدم رفق بالحمار ينطبق على القرار 3016 . وحيث أنه قبل أن تعلن العقوبة التي يستحقها المدعى عليه ، علينا أن نرجع إلى النص القانوني الذي استند إليه الدرك في تجريمهم للمدعى عليه ، فان المادة الأولى من القرار 3016 تصرح بأنه يعاقب من ثمانية إلى ستة أشهر ، وبجزاء نقدي من ليرتين إلى خمس وعشرين ليرة ، كل من يسيء معاملة حيوان بلا ضرورة ، أو بإتيان عمل غير جائز للبلوغ إلى غاية مقبولة ، سواء كان بضربه أو بتعذيبه وكل من يحمل حيوانا على القيام بعمل يفوق مقدرته أو يؤلمه إلى آخر ما جاء في المادة المذكورة . فهل ينطبق هذا النص القانوني على عمل المدعى عليه ؟ . إن هذه المحكمة تجيب على هذا بكلمة « لا » ، وهي مطمئنة إلى هذا الجواب . فالمادة القانونية تنص على أن يكون هناك إساءة للحيوان ، وأن تكون هذه الإساءة بلا ضرورة ، فهل في الحراثة على الحمار إساءة إليه ؟ . إذا كان المشترع يقصد الإساءة المعنوية ، أو بعبارة أوضح الإهانة ، فلا شك أنه ليس في الحراثة على الحمار إهانة له ، بل ربما كان فيها تكريم له ، وذلك يرفعه عن مستوى بني جنسه الحمير وقرنه إلى فصيلة أعلى هي البقر ! . ومهما يكن من أمر ، فمن ذا يستطيع أن يقول أن وضع النير على العنق هو أكثر إهانة من الركوب على الظهر ؟ وإذا كان المشترع يقصد الإساءة المادية ، فأغلب الظن أن لا فرق عند الحمار بين أن توقره بالأحمال الثقيلة ، وبين أن تشد إليه المحراث . بل ربما كانت الثانية أقل مشقة وأخف كلفة . وعلى كل فمرجع ذلك إلى الحمار وحده وما دام الحمار عاجزا عن إيضاح هذه النقطة فتظل موضع شك وفي حالة الشك لا بد من مراعاة جانب المدعى عليه . وحيث أن الشرط الثاني الذي تشترطه المادة إلى جانب الإساءة ، هو أن تكون الإساءة بلا ضرورة . ونحن نفهم من الضرورة أنها هي التي تلجئ الإنسان إلى الاقدام على ما أقدم عليه . فاية ضرورة ملجئة أكثر من ضرورة هذا الهرم ، ذي الأطمار البالية والفقر المدقع ، وأية ضرورة أعظم من ضرورة هذا الفلاح المتهدم الذي يعلن في المحكمة أنه فقد ثوره ، فعجز عن شراء غيره ؟ . وحيث أنه بعد أن رأينا هذه الفقرة لا تنطبق على حال المدعى عليه ، فهل تنطبق عليه الفقرات الأخرى ؟ . أن الفقرة الثانية تنص على أن يأتي الإنسان عملا غير جائز لبلوغ غاية مقبولة . وحيث أن القانون لم يحدد الجواز وعدم الجواز . ولم يوضح كيف يكون العمل جائزا ، فنحن لا نستطيع أن نقول أن عمل المدعى عليه غير جائز ، بل نرى فيه الجواز كل الجواز : فلاح فقير يموت ثوره ، ولا يملك نقودا ، بل يملك حمارا ، فينتدب حماره العتيد مكان ثوره الفقيد ، إلى أن يفرجها الله عليه ، فيفرجها هو على الحمار . فأي شيء في هذا غير جائز ؟ . وحيث أنه بقي علينا أن نرى الفقرة التي تقول : « كل من يحمل حيوانا على القيام بعمل يفوق مقدرته أو يؤلمه » . ومن ذا الذي يستطيع أن يبين لنا ما إذا كانت الحراثة تفوق مقدرة الحمار أو تؤلمه أم لا ؟ فالحمار الذي يحمل أثقل الأحمال وأضخم الرجال ، لا يمكن أن تفوق الحراثة مقدرته . والحمار الذي لا تؤلمه الحبال المشدودة لا تؤلمه كذلك الخشبات الممدودة ! . وحيث أن المحكمة فضلا عما تقدم ، ترى للقضية وجها آخر ، فهي تتساءل : أيهما في نظر القانون أبعد عن الرفق ، أهو أن تقذف بهذا العجوز إلى ظلمات السجن ، أم أن يحرث هو على الحمار . أما هذه المحكمة ، فترى إنقاذ جسم هذا الشيخ الفقير من الحبس وجيبه من الجزاء ، أقرب للرفق من إنقاذ الحمار من الحراثة ، ما دام الحمار إذا لم يحرث ، فسيحمل . وترى أن حبات من القمح يزرعها المدعى عليه على حماره ، فتخرج سنابلها وتؤتي أكلها ، فيكون فيها في هذه الأيام السود لقمة لجائع وبلغة لفقير ، هي أجدى على القانون وعلى المجتمع من إلقائه في السجن وتغريمه بالجزاء وإراحة حماره ! . لذلك ، حكمت ببراءة المدعى عليه حكما وجاهيا ، قابلا الاستئناف ، وأعطي وأفهم علنا . الحاكم : حسن الأمين في طريق الاستقالة وفي خلال العمل في محكمة النباطية كان الصهاينة نشطين في عمليات تهريب اليهود إلى فلسطين ، ذلك أن الإنكليز كانوا يسمحون للصهاينة بإدخال عدد محدود من اليهود يبلغ عشرات الألوف كل عام ، وهذا ما كان يسمى يوم ذاك بالهجرة القانونية ، ولكن الصهاينة كانوا يعملون على إدخال المهاجرين إلى فلسطين زيادة عن العدد المسموح به ، وذلك بتهريبهم عبر الحدود البرية من لبنان ، فتنبهت لذلك ، ومع أن سلطتي في المنطقة هي سلطة قضائية بحتة ، ولا سلطة إدارية لي لأتدخل في هذا الموضوع فقد صممت على أن أحارب هذا التهريب بكل وسيلة ، وكانت السلطة الإدارية يوم ذاك تتمثل بضابط للدرك ، ولم يكن هذا الضابط ممن يهتمون بهذه الأمور ، ولكنني استطعت أن أحمله على التعاون معي في مقاومة تهريب اليهود ، وطلبت إليه أن ينظم ( دورية ) ليلية تراقب مداخل النباطية ، لأن الطريق الوحيد للمهربين هي طريق النباطية ، ففعل الضابط ذلك . وفي أول ليلة تولت فيها ( الدورية ) عملها قبضت على قافلة من السيارات كانت منطلقة باليهود إلى الحدود الفلسطينية ، وكان بينهم يهود من أوروبا ويهود من العراق ويهود من سوريا نساء ورجالا وشبانا ، فأوقف الدرك